مقالات الرأي

حركة المحاور في المنطقة العربية

محمد هنيد

تتحرك الأحداث بسرعة كبيرة في المنطقة، وليس ما يظهر منها على السطح فقط، بل إن ما يتحرك في الأعماق وفي غرف القرارات السياسية داخليا وخارجيا هو الذي يحدد حجم ما سنراه على السطح لاحقا. الثابت الأساسي على الأقل فيما هو جلي للعيان إنما يتمثل في تشرذم القرارات والقمم والمؤسسات العربية الرسمية. بمعنى آخر فإن ما يقع على الأرض اليوم هو نتيجة حتمية لفشل وانهيار النظام الرسمي العربي وهو الكاشف لنهاية هذا النظام وتحلله.
في المنطقة حركتان أساسيتان: تتمثل الأولى في النشاط الكبير للقوى الاقليمية والدولية الأجنبية ومحاورها المتجددة أما الحركة الثانية فتظهر في حالة الانكسار الذي تعاني منه المنطقة بسبب التناحر بين مختلف القوى المكونة لها. لكن يبدو حركيا أن القوى العربية أو بالأحرى الفواعل (لانعدام قوّتها) لا تعمل بشكل مستقل بل هي متضمنة داخل أنساق أكبر وأكثر نجاعة على الأرض. فمن جهة أولى توجد القوى الكبرى الحاضرة دوما مثل الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي بدرجة أقل. وفي نفس المنطقة تتحرك قوى إقليمية أخرى تتباين علاقتها بمشاريع القوى الكبرى مثل دولة الكيان وتركيا وإيران. لكن كل هذه القوى ليست القوى المعنية مباشرة بالصراع المحلي بدء بالقضية الفلسطينية مرورا باليمن وصولا إلى سوريا والعراق. أي أن هذه الأرض والملفات هي أرض وملفات عربية بالدرجة الأولى. لكن الغائب الأبرز عن الفعل وعن تجديد المحاور هو الفاعل العربي الذي لا يكتفي بالسلبية بل ساهم بكل قوة في تفتيت وحدة الصف وفي تشتيت القوى المعنية مباشرة بصراع بقية الفواعل.
هل يمكن الحديث فعلا عن محاور عربية؟ ما معنى المحور وما معنى أن يكون عربيا؟ هل يمكن فصل المحاور العربية عن البنية الإقليمية وفواعلها؟ وما هي مضامين المحاور العربية أو بتعبير أدق: علام نتمحور؟
المحاور أو المحور صيغة تستعمل للدلالة على التحالفات الدولية وتكون عادة أو غالبا بين دولتين أو مجموعة من الدول تجمعها مصالح وسياقات واستحقاقات مشتركة. وتتشكل المحاور غالبا في فترة الأزمات أو الحروب لمواجهة تهديد أو هجوم ما. لكن الحال عندنا هو حال الإيهام بوجود محاور عربية مثل محور الممانعة أو محور الاعتدال اللذين كشفت ثورات الربيع زيفهما. لكنّ زيف المحاور لا يتوقف عند هذا الحد بل الأخطر هو أنه جزء لا ينفصل عن بنية محورية أخرى خارجية تستهدف المنطقة العربية والمشرق العربي على وجه الخصوص. ألم تُظهر الثورة السورية أنّ محور المقاومة والممانعة ليس إلا جزءا من المنظومة الروسية الإيرانية وأن محور الاعتدال ليس إلا فرعا من البنية الأمريكية والغربية التي تسيطر على المنطقة المشرقية؟
اليوم ومرة أخرى يخرج العرب للبحث عن مضامين جديدة أو محاور جديدة بعد انهيار البناء المؤسساتي المشترك بدءا من جامعة الدول العربية وصولا إلى مجلس التعاون الخليجي. وهو الوضع الذي دفع بالكثير من الأنظمة العربية إلى مراجعة علاقتها بالعدو الأول في المنطقة وهو الكيان الصهيوني من أجل ضمان تحالفات جديدة، حيث لم يعد هناك اليوم حديث عن المقاومة أو عن الاعتدال بل صار حديثا عن السلام وعن التعايش التي تعتبر الصياغة الأكثر لباقة للتعبير عن معنى التطبيع.
من جهة أخرى فإن ما قد يبدو للبعض أحيانا أنه تموقع جديد ليس في الحقيقة إلا تحولا لعلاقة قائمة من السر إلى العلن بما معناه أن التجدد ليس في جوهره إعادة لصياغة قواعد أو أحلاف جديدة لكنه في أغلبه تشكل يراعي ظروفا جديدة طارئة أو سياقا حادثا يستوجب مراعاته. هذه الخلاصة إنما تتأسس على التقارب السريع والهرولة الخليجية نحو الكيان الصهيوني بشكل لافت يؤكد أن هذه التموقعات الجديدة ليست في الحقيقة إلا انكشافا لعلاقات سرية قديمة.
إن غياب الأرضية السياسية المشتركة التي يمكن أن تؤسس عليها محاور صلبة هو الذي ألغى المطلب السياسي عربيا وفتح الأنظمة العربية على كل أنواع التحالفات الخارجية الممكنة. فبالأمس القريب أُعلن من قلب المنطقة العربية عن تحالف جديد للغاز في شرق المتوسط بين قوى متنافرة لكنها تجتمع في إطار هدف واحد. هذا التحالف الذي أعلن من القاهرة على لسان وزير الطاقة الصهيوني والذي يضم كلا من دولة الكيان ومصر وإيطاليا وقبرص واليونان والأردن والسلطة الفلسطينية لا يخفي أبعاده السياسية وتحديدا الجيوستراتيجية التي ستؤثر على طبيعة المحاور. لكن بقطع النظر عما يؤشر عليه الاجتماع من بوادر ظهور عصر حروب الطاقة في المتوسط ومحيطه المباشر فإنه يعلن كذلك عن تحالفات سياسية لا تنفصل عن واقع الصراع في المنطقة العربية المشتعلة.
إن التقارب المصري الصهيوني ليس وليد الساعة لكنه يتجه اليوم نحو شرق المتوسط بالتقارب مع قبرص في استفزاز مباشر للحضور التركي هناك. هذا التوجه يزكيه أيضا ما يتردد من دعم مصري سعودي إماراتي للجيش السوري في مواجهة الحضور التركي في سوريا وعلى حدودها وهو ما يكشف بأن التحالف الجديد لا يقتصر على الطاقة ولا على المصلحة الاقتصادية المشتركة. فالاجتماع الوزاري الأول لما سمي “منتدى غاز شرق المتوسط” هو في حقيقة علامة أخرى على تصدع البناء العربي وعلى غياب القدرة على خلق تحالفات جديدة ترمم الوضع العربي المنهار.
ليست الثورات الأخيرة واحتجاجات الربيع العربي إلا دليلا على نهاية مرحلة في عمر البناء العربي المشترك. فرغم كل محاولات الثورات المضادة والقوى العالمية إعادة البناء كما كان إلا أن الفوضى المتمددة والمنفلتة تؤكد أن عصرا جديدا بصدد التشكل وهو عصر يتجاوز مسرحيات المحاور المزيفة ويؤسس لمرحلة تصفية الإرث الاستعماري والاستبدادي معا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *