مقالات الرأي

بريطانيون فلسطينيون أم فلسطينيون بريطانيون؟!

بقلم: محمد أمين

ثمة من سيقول ما الفريق بين العبارتين، وآخر سيتساءل مستنكرا “ما هذه الفلسفة الزائدة”، وآخر سيستغرب وربما يضحك، كل ردود الفعل تلك متوقعة ومفهومة، لكن المؤكد أن التمحيص بعمق في العبارتين سيكشف أن حسم الجدل حولهما سيكون مقدمة لفهم الدور المطلوب لفلسطينيي بريطانيا، وبالتالي الأثر المرغوب من تحركهم لقلب الطاولة على اللوبي الصهيوني الذي هيمن لعقود على الساحة البريطانية، ويزيف التاريخ والجغرافيا.

وقد أدرت نهاية العام الماضي ندوة متخصصة بحثت في واقع فلسطينيي بريطانيا والدور المطلوب ، كانت تلك الندوة النقاشية بالغة الأهمية، إذ اجتمع فيها فلسطينيون من أطياف مختلفة وكان السؤال الأول الذي طرح على طاولة النقاش: هل مازال فلسطينيو بريطانيا يفكرون بعقلية اللاجئ والجالية المؤقتة الإقامة والوجود؟، ينتظرون العودة في أي لحظة لوطنهم، وبالتالي فهم لا يشتبكون مع الشأن المحلي لبلد المهجر من جهة، ومن جهة أخرى يطبقون المثل العربي غير الأصيل الذي يقول ” يا غريب خليك أديب”؟ أم الصحيح أن يعووا بأنهم مواطنون بريطانيون كاملو الحقوق والواجبات ، بل إن أبناءهم بريطانيو المولد واللغة والجنسية، وأنهم في بلد ديمقراطي يمنحهم كافة الحقوق بمجرد حصولهم على جنسيته ، على عكس البلدان العربية التي روجت للمثل المذكور أعلاه لتبرير عملية تدجينهم وتذكيرهم دوما بأنهم لاجئون دخلاء!. أعتقد أن الإجابة على هذه التساؤل يجب أن تكون واضحة وحاسمة ولا تقبل التأويل بأننا بريطانيون فلسطينيون، وأن المطلوب من كل الفلسطينيين التفكير بعقلية المواطن البريطاني وليس اللاجئ السياسي، و أن يشتبكوا مع الحياة السياسية في بريطانيا، وينخرطوا في الأحزاب بكافة توجهاتها، ينتخبوا ويرشحوا نوابا وأعضاء ورؤساء مجالس بلدية، فهذه بريطانيا ، بلد النكبة صحيح، لكن من شأن تحركنا هذا و اشتباكنا السياسي من داخلها أن يجعلها بلد العودة، على الأقل النضال ضمن مربع الحقوق الوطنية الفلسطينية المعترف بها دوليا، والتي تعطينا مساحة كبيرة للتحرك والعمل، وتبدأ بفضح الرواية الصهيونية التي يروجها أنصار دولة الاحتلال، ومواجهتها برواية فلسطينية قوية الحجة والبرهان، مدعومة بأصوات ناخبين يفرضون قضيتهم في برامج الأحزاب السياسية البريطانية.

ولعل التأمل فيما كتبه كتب ثيودور هيرتزل مبكرا عن أهمية الساحة البريطانية يجعلنا نعي أهمية الدور المطلوب منا، ففي كتابه “الدولة اليهودية” يقول هيرتزل: “منذ انضمامي إلى الحركة الصهيونية، وجَّهْتُ نظري نحو بريطانيا، لأنني أدركتُ أنها مركز الثقل العالمي، والانطلاق من هناك سيخلق للأفكار الصهيونية أجنحة تحلق بها عالياً وبعيداً”. وبالفعل، عملت المنظمات الصهيونية، منذ وقت مبكر، على التغلغل في الأوساط السياسية البريطانية وتشكيل جماعات ضغط لحشد الدعم البريطاني لمشروع “دولة إسرائيل”.

لعل البداية في العمل في النضال في الساحة البريطانية يكون بالتعرف على ذواتنا، واحصاء أعدادنا، ولملمة شتاتنا الجغرافي والفكري، فعلى سبيل المثال حاولت البحث عن ارقام توثق عدد الفلسطينيين في بريطانيا لكني لم اجد رقما محددا في أي من المراجع العربية أو الأجنبية، وذهبت للموقع الرسمي للبعثة الفلسطينية في بريطانيا ولم أجد فيه ما يشير للعد، لكن هناك تقديرات غير رسمية تشير الى أنهم قرابة ٣٠ ألفا، وهو الرقم الذي أورده كذلك أحد الباحثين الذين اعدوا ورقة خاصة عن الفلسطينيين في بريطانيا في الندوة التي أدرتها في هذا الشأن، وعلى كل حال لا نريد الغوص كثيرا فيما اذا كان هذا الرقم صحيح او أقل من الرقم الحقيقي، لكنها دعوة حقيقية لأن نبدأ بإحصاء أعدادنا ، وتوحيد منصاتنا، وهذه البداية، أما البرنامج السياسي للعمل في بريطانيا، فأظن أنه واضح المعالم، أهم نقطة فيه هو الخروج من العباءة الفصائلية، وترك الانتماء السياسي هناك في غزة ورام الله وغيرها من عواصم الانتماء والولاء، والتحدث والتفكير والعمل هنا في المملكة المتحدة بعقلية وطنية جامعة، تليق بالبلد الذي نعيش فيه ونحمل جنسيته.

ولمزيد من فهم الواقع في اشتباكنا مع مناصري إسرائيل في بريطانيا، من المفيد جدا ذكر هذين المثالين:
خلال العدوان الإسرائيلي على غزة عام ٢٠١٤،وصلت موجات التعاطف وحركات التأييد لحقوق الشعب الفلسطيني التي إلى مختلف شرائح الرأي العام البريطاني ،وأثارت غضب اللوبي الصهيوني ،حيث أظهرت استطلاعات عدة وقتها إلى أن قرابة ٧٠ ٪ من البريطانيين غير مقتنعين بالحجج الإسرائيلية، و يدعمون حقوق الشعب الفلسطيني، ويؤيدون سلاما عادلا ووقفا للعدوان الإسرائيلي ورفعا للحصار.

بالمقابل فإن اللوبي الصهيوني نجح في تصعيد هجماته ضد مناصري القضية الفلسطينية، ومن أمثلة ذلك ما تعرض له زعيم حزب العمال جيرمي كوربن، ومحاولة الصاق تهم اللاسامية به وهو السيف ذاته الذي اُشهر في وجه عمدة لندن السابق، العضو المُخضرم في حزب العمال كين ليفينغستون، وأدى إلى تعليق عضويته في الحزب.

أخيرا، وإذا لم ندرك بأن لوقت حان للتحرك في هذه اللحظة الوطنية الأخطر، وإذا لم يعي فلسطينيو بريطانيا خصوصا وأوروبا عموما للكنز الذي يملكوه جراء وجودهم في هذا البلد والغرب عموما، بمقابل ما يعانيه إخواننا في الوطن من حصار، وتضييق وعربدة إسرائيلية، وما يقاسيه إخواننا في دول المهجر العربية من خوف وقلق وعيش في مخيمات بائسة ، وانتهاك لحقوقهم المدنية وخشية من نظم الاستبداد العربية، فمتى إذا؟؟.
على فلسطيني بريطانيا وأوروبا التوقف عن حالة الاسترخاء غير المبررة، وأن يفهموا أن وطنهم يحتاجهم، يحتاج لضغطهم ، وصوتهم، ولوبي يكونوه هنا يدافع عنهم ، ويحاصر في الغرب من يحاصرهم في الشرق، لعلها بداية، لعله تفكير بصوت عال، لكن المؤكد أنه ضرورة وطنية بامتياز.

  • كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *