مقالات الرأي

الفلسطيني.. بين العَرب والغرب

محمد عايش

في جنوب كاليفورنيا بالولايات المتحدة ثمة شاب فلسطيني مغمور يبلغ من العمر 29 عاماً ويُدعى عمار النجار، أصبح قاب قوسين أو أدنى من الوصول الى عضوية الكونغرس الأمريكي، وتحول سريعاً خلال الأيام القليلة الماضية إلى حديث وسائل الإعلام المحلية هناك، ليس فقط لأنه من أصل عربي فلسطيني، وليس فقط لأنه مسلم، وإنما لأنه – إذا فاز- فسوف يكون قد أنهى هيمنة استمرت أربعين عاما للحزب الجمهوري في تلك المنطقة.
عمار النجار شاب فلسطيني عادي، بل هو أكثر من عادي، فهو ابن لمهاجر جاء من غزة الى الولايات المتحدة هارباً من عدوان الاحتلال الاسرائيلي، وعندما كان عمار في الـ15 من عمره اضطر للعمل بعد دوامه المدرسي بحثاً عن لقمة العيش، والأهم من ذلك أنه أمضى جزءاً كبيراً من طفولته في بلده الأم غزة، حاله حال كثير من المهاجرين الذين يعيدون أبناءهم لبعض الوقت إلى البلد الأم حفاظاً على اللغة والدين والهوية. النجار ليس الفلسطيني الوحيد الذي يقف على أعتاب الكونغرس الأمريكي، وإنما في ولاية ميتشغان يترقب الأمريكيون وصول رشيدة طليب البالغة من العمر 42 عاماً، التي فازت هي الأخرى بالانتخابات التمهيدية وباتت قاب قوسين أو أدنى من الفوز بمقعد في السلطة التشريعية بالولايات المتحدة.
ليس الكونغرس الأمريكي وحده الذي ينتظر الفلسطينيين، فقد سبقوا إلى البرلمان البريطاني، حيث تتربع في مجلس العموم البريطاني سيدة مقدسية تُدعى ليلى موران، بعد أن فازت عن حزب الديمقراطيين الأحرار في آخر انتخابات برلمانية، وأجمل ما في موران أنها ناشطة سياسية أصلاً، وشابة تبلغ من العمر 36 عاماً فقط، وهي بطبيعة الحال أول فلسطينية تصل إلى عضوية البرلمان البريطاني. ليس غريباً أن يحصل الفلسطيني أو غيره على حقوقه في دول مثل بريطانيا أو الولايات المتحدة أو غيرهما من الدول المتقدمة؛ لكنَّ الغريب أن يعاني من الاضطهاد في الدول العربية، التي أشبعتنا طوال السنوات السبعين الماضية ببطولاتها ضد الاحتلال الاسرائيلي وتضحياتها من أجل الشعب الفلسطيني، ومن أجل القدس والمسجد الأقصى، بينما يصطف فيها الفلسطينيون طوابير على أبواب الجوازات لتجديد إقاماتهم، ويتذللون لمواطني هذه الدول بحثاً عن «كفيل».
الفلسطيني في أوروبا وأمريكا والدول المتقدمة أصبح يؤثر في القرار السياسي، ويشارك في بناء هذه البلاد، بينما يعاني من الاضطهاد في الدول التي سبق أن شارك في بنائها وفي تعليم أبنائها! في إحدى الدول العربية اعتقل جهاز الأمن فلسطينياً غزاوياً جاوز الستين من عمره، بعد أن أمضى من هذه الستين أربعين عاماً في تلك الدولة، وبعد شهرين من الاعتقال المصحوب بكل صنوف التعذيب، اقتنع رجال الأمن بأنه لم يكن يرسل أمواله لحركة حماس، وإنما لأقاربه الجياع في غزة.. ورغم ذلك انتهت به رحلة الأربعين عاماً في تلك الدولة العربية الى الترحيل النهائي إلى غزة.. وها هو اليوم حاله حال المليوني فلسطيني الآخرين يعيش تحت الحصار بانتظار ساعتي الكهرباء يومياً.
في دولة عربية أخرى يعيش الفلسطيني – ولو ألف سنة- ويظل مقيماً ينتظر تجديد إقامته بموافقة المخابرات، وينتظر تجديد وثيقة سفره بموافقة جهاز مخابرات آخر يمنحه الوثيقة ويمنعه من استخدامها داخل البلد الذي أصدرها!
في دولة عربية ثالثة غاية المنى للفلسطيني أن يسمحوا له بإدخال لوح من الزجاج الى المخيم لترميم نافذة بيته البائس، فيحمي بلوح الزجاج أطفاله من برد الشتاء القارس.. أما جاره فغاية مناه أن يسمحوا له بإدخال كيس من الإسمنت لترميم جدران البيت الذي بنته وكالة غوث وتشغيل اللاجئين عام 1948، ولا يزال على حاله منذ ذلك الحين. قبل سنوات زرنا أحد مخيمات اللجوء الفلسطيني (وكنتُ أنا كاتب هذا المقال حاضراً في الزيارة)، استوقفنا شاباً في أحد الزقاق فسألناه عن أمنيته، فأجاب: أن أنام في بيت له سقف ولو لليلة واحدة.
في العالم العربي يتمنى الفلسطيني أن يُجرب النوم في بيت ذي سقف، أو ذي نافذة، أو فيه شيء من الزجاج، ويتمنى إعفاؤه من موافقات الدوائر الأمنية، أو السماح له بالعمل أو الوظيفة.. بينما الفلسطيني (والعربي عموماً) أصبح في بلاد الغرب يشارك في الحياة السياسية والحزبية ويصل الى قباب البرلمان ومجالس الحكومة.. ثم يسألوننا: لماذا تُهاجرون؟ والسؤال الأصح يجب أن يوجه لمن لم يُهاجروا بعد: ماذا تنتظرون؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *