مقالات الرأي

العرب إذ يدفعون ثمن السلام غالياً

محمد عايش

تبين من السنوات القليلة الماضية أن إسرائيل، وهي الجسم الغريب في المنطقة، أصبحت تنام بسلام لم تكن تحلم به منذ تأسست قبل أكثر من سبعة عقود، بينما بات العرب يغرقون في الحرب والدم يوماً بعد آخر، إذ لو وسعنا مداركنا وأنظارنا أكثر نحو ما يجري فإننا نجد أن الدول العربية كلما غرقت في الحرب فإن الاحتلال الإسرائيلي ينعم في سلام ونعيم غير مسبوقين.
خلال السنوات الخمس الماضية، شنت إسرائيل جملة من الغارات على سوريا، ونفذت عمليات عسكرية مدروسة بعناية فائقة على الأراضي السورية، من بينها عمليتي اغتيال الشهيد سمير القنطار وعماد مغنية وغيرهما. كما نفذت عمليات عسكرية في أماكن أخرى أيضاً من بينها اغتيال المهندس محمد الزواري في تونس، واغتيال الأكاديمي والباحث الفلسطيني فادي البطش في ماليزيا. وربما نفذت مزيداً من العمليات في دول أخرى، من دون أن ينكشف أمرها.. خاصة أن إسرائيل لا تعترف سريعاً بعملياتها، ومثال ذلك أنها اعترفت قبل سنوات قليلة فقط باغتيال الشهيد وديع حداد في العراق عام 1978، أي بعد 30 عاماً على الاغتيال الذي كان يظن الناس أنه مجرد وفاة طبيعية.
الغارات والعمليات الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، مؤشر مهم على حالة السلام والاسترخاء التي تعيشها اسرائيل، في الوقت الذي ينشغل فيه العرب بصراعاتهم الداخلية، وهي صراعات كلفتهم خسائر بشرية ومادية هائلة جداً، إذ تعاني أغنى الدول العربية من عجز في موازناتها وأزمات اقتصادية خانقة، أما أفقر الدول العربية (مثل سوريا واليمن وليبيا) فتقف شعوبها في طوابير الموت، إذ أن الذين أفلتوا من القتل بالرصاص والقنابل، فإن الموت جوعاً وبرداً ينتظرهم في مخيمات اللجوء، أو ربما يلتهمهم البحر وهم يحاولون الفرار إلى شواطئ أوروبا.
يرى الكاتب إلياس خوري (وهو رئيس تحرير مجلة «الدراسات الفلسطينية») أن ثمة ارتباط بين السلام مع إسرائيل والحرب الداخلية العربية، مشيراً إلى أن العالم العربي يدفع اليوم ثمن ذلك السلام وهو أكبر بكثير من ثمن الصراع والحرب مع إسرائيل، حيث أن إجمالي الخسائر البشرية العربية في الحروب مع إسرائيل بلغ 72 ألف شهيد، وهي خسائر أقل بكثير من خسائر الصراعات البينية العربية، ففي لبنان مثلاً سقط في الحرب الأهلية أكثر من 120 ألف قتيل.. ويصل الياس خوري في نهاية المطاف إلى سؤال مفاده: هل كان هذا السلام الخادع مجرد مدخل للعام العربي إلى الجحيم؟ وهل أثبتت السنوات الماضية أن تكلفة السلام أكبر من تكلفة الحرب؟
ربما يكون الجواب نعم وأن تكلفة السلام أكبر من تكلفة الحرب، خاصة إذا وضعنا في عين الاعتبار نظرية المفكر السياسي الايطالي نيقولا ميكافيللي، التي يقول فيها أن الشعوب عندما تواجه خطراً خارجياً، فإنها تلتحم وتتناسى خلافاتها الداخلية وتلتف حول بعضها بعضاً من أجل مواجهة ذلك الخطر والتغلب عليه وتفويته.
خلاصة القول إذن هو أن العرب يدفعون ثمن السلام مع اسرائيل، أو أن إسرائيل تنعم في سلام وراحة بسبب الصراعات الداخلية العربية، ولا فرق بين الاثنين، إذ أن النتيجة واحدة، فالعرب يغرقون في الحرب والدم والفقر والصراعات البينية والداخلية، بينما تقف إسرائيل لتحصد النتائج وتكون المستفيد الوحيد مما يجري في المنطقة العربية.. والغارات التي تشنها إسرائيل على سوريا من دون رادع ليست الفائدة الوحيدة التي تحصدها تل أبيب، وإنما السباق الرسمي العربي للتطبيع مع تل أبيب والارتماء في الحضن الإسرائيلي ليس سوى واحدة من نتائج وإفرازات التوترات التي تشهدها المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *