مقالات الرأي

اختراع الشعب الفلسطيني

سامح المحاريق

بدأت مظاهر الوجود الحضاري في منطقة فلسطين قبل نظيراتها في مصر والعراق، إلا أن هذه التشكلات الحضرية لم تتحول إلى حضارة تضاهي حضارات وادي النيل، أو بلاد ما بين النهرين، وفوق ذلك لم تتخذ أيضاً شكل دولة.
وبينما كان السومريون والبابليون يسيطرون على أرض مترامية الأطراف، والفراعنة يحوطون النيل حتى امتداد معقول قبل الدخول في إفريقيا الاستوائية، فإن منطقة جنوب بلاد الشام ضمت أكثر من دويلة متزاحمة ومتنافسة ومتصارعة، وعلاوة على ذلك هشة وضعيفة المقاومة، لأي نزوة سياسية تأتي من الشرق أو الغرب، ولم يكن ذلك يحدث كثيراً، لأنه يعني ببساطة إيذاناً بصراع بين الحضارتين القديمتين في مصر والعراق، ولذلك بقيت فلسطين في إطار فوضى سكانية كبيرة، وتاريخ الشعوب التي سكنت فلسطين يغري باختراع الأساطير وصيانتها وتطويرها وعبادتها.
التورط في التاريخ ليس مجدياً، لأنه الأرض التي تحاول الصهيونية العالمية السيطرة عليها، للتهرب من قضية واقعية وعملية أحدثتها الهجرة اليهودية إلى فلسطين نهاية القرن التاسع عشر، وأنتجت عملية تفريغ سكاني استثمر الإرهاب والترويع من أجل تنفيذه، ولا يمكن أن تفهم القضية الفلسطينية إلا من مدخل الجغرافيا، التي لا تمتلك إسرائيل كثيراً من السطوة عليها، كما فعلت مع التاريخ، ويصل رفض إسرائيل لمدخل الجغرافيا إلى حدود الهوس والإنكار المرضي، فيعلق أحدهم على مادة فيلمية تشكك في وجود الشعب الفلسطيني بأن الفلسطينيين ينتمون إلى مصر والأردن، وكأن الأرض التي أطلقت عليها تسمية فلسطين هبطت من السماء فجأة بشعبها اليهودي!
هروباً من عقدة الذنب ومن مدخل الفكر الاستعماري تحدثت غولدا مائير ذات مرة لتنفي وجود شعب فلسطيني، فالفلسطينيون من وجهة نظرها لم يكونوا موجودين من الأساس، ولذلك فإن أي اتهام لليهود بطردهم غير صحيح أصلاً، ولكن ذلك لا يحل المشكلة التي تولت الأساطير الشعبية الإسرائيلية تقديم حلول متباينة لها، من ضمنها أن الفلسطينيين الذين تواجدوا في إسرائيل ليسوا سوى سلالات عربية أتت من الجزيرة العربية، وعليهم أن يعودوا إلى موطنهم الأصلي، وبذلك يقطعون الطريق بالكامل على أي علاقة يمكن أن تربط الفلسطيني بالمكان، على أساس وجود علاقة مؤقتة انتهت بتحرير شعب إسرائيل لأرضه التاريخية. بالطبع يستمر فكر الاستئصال لينفي وجود أي صلة للفلسطينيين بالكنعانيين، الثابت وجودهم في المنطقة، حتى قبل ظهور الآباء المؤسسين للشعب اليهودي، وهذه فكرة ذات أصول أسطورية تفترض الفناء الكامل لبعض الشعوب، نتيجة حدث تاريخي معين ولا تستند إلى منطق انحلال وقيام الحضارات، بمعنى أن الصراع على أرض فلسطين استوعب جميع الشعوب، سواء كانت في وضعية الغالب أو المغلوب، وبالنتيجة لا يمكن إنكار وجود شعب مرتبط بأرض فلسطين لعدة قرون من الزمن، أو حتى منذ بدء الزمن المسجل المسمى تاريخاً، واتخاذ ذلك الشعب التدابير اللازمة للتعايش، مع تبدل السلطات والممالك والإمبراطوريات، وصولاً إلى الإمبراطورية العثمانية، مع التأكيد على الطابع العربي والاستعرابي لسكان فلسطين العثمانية، وهو طابع تاريخي يمتد بموازاة التاريخ اليهودي الذي يحاول أن يطمس أي وجود آخر، فالقبائل العربية عاشت في هذه المنطقة مع بدايات التدوين، بغض النظر عن الروايات التوراتية، وكانت أحد المكونات الأساسية لسكان أرض فلسطين، وسيادتها على المنطقة ثقافياً واجتماعياً أتت ضمن عملية أوسع شهدت تعريباً كاملاً للعراق ومصر والشام، بعد أن كان الوضع في هذه البلدان يشهد تعريباً جزئياً نتيجة الهجرات العربية لتخوم إمبراطوريتها التاريخية، في أزمنة سبقت انفراد اليهود بوصف الشعب أو محاولتهم التفرد به.
استدرجت الفكرة الصهيونية الفلسطينيين للتورط في وجود شعب فلسطيني مستقل ومعين، لتكون ردة فعل على دعوتها بـ(لا وجوده)، مع أن فلسطين شأن الدول العربية في الهلال الخصيب كانت نتيجة لاتفاقيات سايكس ـ بيكو، بمعنى أنها كانت حلاً حدودياً لمشكلة استراتيجية، ينبت أساساً عن أي منطق للطبيعة الجغرافية والسكانية، وبانتزاع فلسطين من سياقها العربي الذي كان مشروعاً لدولة عربية، حاولت أن تتشكل في منطقة الشام والعراق، أتت فكرة الانفراد بالرواية الأضعف تدويناً، مقابل الرواية الأسطورية اليهودية، وتحرك الفلسطينيون للوقوع في الفخ، مع إعلانهم عن فكرة وجود ممثل مستقل للشعب الفلسطيني داخل المجموعة العربية، بمعنى دخولهم لبيت الطاعة الذي بني على تفاهم سايكس ـ بيكو، مع أنهم غير مضطرين للتجاوب مع ذلك الإغراء، وفوق ذلك، ليس من مصلحتهم على الإطلاق أن يقعوا في مشروع تجزئة المنطقة، لأنهم لم يستفيدوا منه شيئاً، فلم يحصلوا على دولة ولا يبدو أنهم في طريقهم للحصول عليها، وأعفوا مشاريع الدول العربية المحيطة بفلسطين من مسؤولياتها التاريخية والاستراتيجية.
الهجوم الإسرائيلي على الوجود الفلسطيني متعدد ومتشعب، بين الدعاوى الساذجة للعودة إلى غابات الـ»دي أن أيه» لإثبات أصول يهودية لمن تبقى من سكان في فلسطين، وتمييع ثقافتهم تجاه التهامهم بوصفهم كتلة سكانية أدنى في البنية الديموغرافية في اسرائيل، أو دفعهم للمقاومة بالتطرف الديني الذي يغذي الأمن الداخلي لإسرائيل على المدى البعيد، بخلقه لعقيدة الخوف والتربص، ولذلك فإن اسرائيل ليست قلقة من تنامي نزعات الأصولية الإسلامية، وتجدها مبرراً لتغذية فكرة يهودية الدولة، على أساس دور العقيدة في بناء الدولة في الشرق المرتهن للأساطير والمتورط في التاريخ. ذلك ليس خطيراً في ظل تجذر الفكرة العربية لدى الفلسطينيين بوصفها الأرضية التي تجمعهم وتخلق تمايزهم، بغض النظر عن سلامة وأصالة الانتماء العرقي، ولكن الخطير هو محاولات التعدي على الممتلكات الفلسطينية، التي تخص المهجرين والمتبقين، فالمسألة الحقوقية الصرفة في الشأن الفلسطيني تبقى العملة الوحيدة القابلة للصرف أمام القانون العالمي، ونقل الملكيات الذي يجري من وقت لآخر وبطرق معقدة تشبه عمليات غسيل الأموال، يهدد فعلياً مستقبل شعب فلسطين، الذي تعرض للتهجير القسري تحت وطأة العنف والإرهاب، فعمليات الشراء لمصلحة اليهود ليست ذات قيمة اقتصادية بأي شكل، فما الذي يمكنه أن يحوز عليه أي يهودي من امتلاك عقار في الأحياء العربية في القدس؟ من الناحية المالية والاستثمارية هي صفقة خاسرة بالمطلق، ولكن من ناحية الهوس بتأمين الوجود وشرعنته، تبدو هذه الخطوات مفهومة وضرورية، ويبقى من الضروري أيضاً أن تعود القضية الفلسطينية إلى حاضنة شعبية عربية، بوصفها العائق الأساسي أمام أي مشروع تكامل عربي وأي مشروع أمن عربي شامل، فتغيب فكرة الامتداد الجغرافي من خلال استعادة فلسطين، هي التي تدفع لتقطع أوصال الامتداد الجغرافي الذي يمكن أن يخلق الزخم اللازم بين المشرق والمغرب العربي، ويمكنه أن يعيد التآلف الثقافي في مواجهة المشروعات المحلية، التي تسعى لإنتاج دول تابعة وعالقة في مشكلاتها، مع أن كثيراً من الحلول على مرمى اليد، التي يقيدها الوجود الإسرائيلي في صورته الراهنة، التي تقف عائقاً أصلاً أمام السلام الذي لا يمكن أن يقوم على أرضية الفهم التوراتي لفلسطين، التي هبطت مع غولدا مائير من السماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *